فصل: تفسير الآيات (96- 97):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير آيات الأحكام



.تفسير الآيات (96- 97):

قال الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)}.
كان الكلام من أول السورة إلى هنا في إثبات نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، مع إثبات التوحيد، ومحاجّة أهل الكتاب في ذلك، وفي بعض ما استحدثوا في دينهم.
وفي هذه الآيات وما قبلها يدفع الله شبهتين من شبههم.
قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده فكيف تستحل ما كان محرّما عليه وعليهم كلحم الإبل؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فما يكون لك أن تدّعي أنك مصدّق لهم، وموافق في الدين، ولا أن تقول إنك أولى الناس بإبراهيم.
فرد الله هذه الشبهة بقوله: {كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ} [آل عمران: 93] وأنه لم يحرّم عليهم شيئا إلا ما كان عقوبة لهم، كما جاء في قوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160].
وأما الشبهة الثانية: فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم أن تكون البركة في نسل ولد إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظّمون بيت المقدس، ويصلّون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظّمت ما عظّموا، ولما تحوّلت عن بيت المقدس، وعظّمت مكانا آخر اتخذته مصلّى وقبلة، وهو الكعبة، فخالفت الجميع.
فردّ عليهم بقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96)} وتقريره أنّ البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت للناس يعظّمونه، ويتعبدون الله فيه، بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام لأجل العبادة خاصّة، وقد قال إبراهيم: {رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37].
ثم بنى سليمان بن داود عليهما السلام بيت المقدس بعد ذلك بعدة قرون.
فماذا فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم غير أن امتثل أمر ربّه، فرجع إلى قبلة أبيه إبراهيم، واتخذها مصلّى. وأوّلية البيت قيل: أولية شرف، وقيل: أولية زمان، ولا مانع من أن يكون كل منهما مرادا، فقد مرّ أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا البيت المحرّم للعبادة، ثم جاء سليمان وبنى بيت المقدس، فالأولية زمانية، وهي تستلزم أولية الشرف.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه أول بيت وضع على الأرض بالنسبة للبيوت مطلقا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم، وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين سنة.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي ذر قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أول بيت وضع للناس؟ فقال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» فقيل: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة».
وقد يقال: إنّ هناك تعارضا بين ما ذكرنا من أنّ بناء الكعبة كان قبل بناء بيت المقدس بعدة قرون، وأن الذي بناه إبراهيم، وبين ما روي من أن الذي وضعها الملائكة قبل بيت المقدس بأربعين سنة، وقد أجيب بأنّ الوضع غير البناء، وبأنه لعل الذي كان من إبراهيم وسليمان كان إعادة، ومعلوم أن بين إبراهيم وسليمان عدة قرون فلا منافاة.
{لَلَّذِي بِبَكَّةَ} بكة اسم لمكة كما روي عن مجاهد، وإبدال الميم باء كثير في كلامهم، وقيل: هو بطن مكة حيث الحرم.
{مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ} بيان لحاله الحسية الحسنة، والمعنوية الشريفة، وأما الأولى فهي ما ساق الله إليه من بركات الأرض، ومن ثمار كل شيء، ومن جميع الأقطار، مع كونه بواد غير ذي زرع، وأما الثانية فهي جعل أفئدة الناس تهوي إليه، وتتعلّق به، ويأتون للحج والعمرة رجالا، وعلى كل ضامر من كل فج، وتولية وجوههم شطره في الصلاة، وأيّ ساعة تمرّ ليلا أو نهارا وليس فيها من يتجه إلى ذلك البيت يصلي!! فقد أجيبت دعوة إبراهيم على أتمّ وجه {رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}.
وقد أشير إلى هاتين الحالتين في قوله تعالى حكاية عن المشركين: {وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)} [القصص: 57].
{فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ} فيه: أي البيت دلائل وعلامات ظاهرة لا تخفى على أحد: منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه للصلاة والعبادة، فأيّ دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أول بيت وضع ليعبد الناس فيه ربّهم؟ وإبراهيم هو أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم.
{وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً} آية ثانية على أنّ البيت الحرام حقيق بالتعظيم، فقد اتفقت قبائل العرب طرّا على احترام هذا البيت وتعظيمه بنسبته إلى الله، وقد اشتدّت مبالغة العرب في ذلك، حتى إن من كان قاتلا، واستباح حرماتهم، ولجأ إلى البيت فإنه يصير آمنا ما دام فيه.
مضى على هذا عمل الجاهلية مع ما بين أهلها من اختلاف المنازع، وتباين الأهواء والمشارب، وتعدّد المعبودات، وكثرة الأضغان والأحقاد، وقد أقرّ الإسلام هذه الميزة للبيت الحرام، وأما ما كان من المسلمين يوم فتح مكة فكان لضرورة تطهيره من الشرك، ولأجل أن يعبد الله وحده، ومع ذلك فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إنها حلّت له ساعة من النهار، ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده.
على أنّ فتح مكة لم يؤثّر على أمر الحرم شيئا، لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر مناديه أن ينادي: «من دخل داره، وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
هذا وقد اتفق الفقهاء على أنّ من جنى في الحرم فهو مأخوذ بجنايته، سواء أكانت في النفس أم فيما دونها.
واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم، ثم لاذ إليه فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن زياد إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لم يقتصّ منه ما دام فيه، ولكنه لا يجالس، ولا يعامل، ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه، فيقتصّ منه، وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم، ثم دخل الحرم اقتصّ منه.
وقال مالك والشافعي: يقتصّ منه في الحرم لذلك كله، وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبيد الله بن عمير، وسعيد بن جبير، وطاووس، والشعبي، فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم أنه لا يقتل.
قال ابن عباس: ولكنه لا يجالس، ولا يؤوى، ولا يبايع حتى يخرج من الحرم، فيقتل، وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه الحدّ.
وروى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في غيره أن يقام عليه، قال: وكان الحسن يقول: {وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً} كان هذا في الجاهلية، لو أنّ رجلا جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرّض له حتى يخرج من الحرم. أما الإسلام فلم يزده إلا شدة، من أصاب الحد في غيره ثم لجأ إليه أقيم عليه الحد.
وروى هشام عن الحسن وعطاء قالا: إذا أصاب حدا في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أخرج عن الحرم، حتى يقام عليه، وروي مثل هذا عن مجاهد، وهذا يحتمل أن يراد به أن يقاطع، فلا يجالس، ولا يعامل، حتى يضطر إلى الخروج، فيقام عليه الحد.
وفيما عدا رواية الحسن فالاتفاق حاصل بين السلف من الصحابة والتابعين أن من دخله لاجئا إليه، وكان قد جنى في غيره أنه يقاطع حتّى يخرج فيقتص منه.
ومثل قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً} قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] وقوله: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً} [القصص: 57] وقوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: 125].
قال أبو بكر الرازي: ولما عبّر الله تارة بالحرم وتارة بالبيت علم أنّ حكم الحرم حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه.
ولمّا لم يختلفوا أنه لا يقتل من لجأ إلى البيت، لأنّ الله وصفه بالأمن فيه، وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه.
هذا وقد فسّر بعض العلماء الأمن هنا بالأمن في الآخرة من العذاب، وروى في ذلك آثارا صحيحة، ولا مانع من إرادة العموم، بأن يفسّر بالأمن في الدنيا والآخرة.
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}.
لما ذكر الله فضائل البيت أردفه بذكر إيجاب الحج، وفي قوله: {مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} وجوه من الإعراب لا نتعرض لذكرها.
والمعنى: أن الله جلت قدرته أوجب على عباده أن يحجوا إلى بيته متى تيسّر لهم الوصول إليه، ولم يمنعهم من الوصول إليه مانع، سواء أكان بدنيا أم ماليا أم بدنيا وماليا معا.
فالبدني كالمرض والخوف على النفس من العدو ومن السباع، وعلى الجملة ألا يكون الطريق مأمونا.
والمالي كفقد الزاد والراحلة إذا كان ممن يتعسّر عليهم الوصول إلى البيت إلا بزاد وراحلة، والذي يجمعها فاقد الزاد والراحلة، والمريض، أو الذي لا يأمن الطريق.
وقد اتفق الأكثرون على أنّ الزاد والراحلة شرطان داخلان في الاستطاعة، ويؤيد شرطيتهما ما رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه فسّر استطاعة السبيل بالزاد والراحلة.
فقد روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من ملك زادا وراحلة تبلغه بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا».
وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}.
وروي عن ابن عمر قال سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قوله تعالى: قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} قال: «السبيل الزاد والراحلة».
وروى عطاء عن ابن عباس قال: السبيل الزاد والراحلة، ولم يحل بينه وبينه أحد.
فأنت ترى من هذه الأخبار أن الزاد والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى، ومن شرائط وجوب الحج.
وقد يقول قائل: إنّ الله تعالى يقول: {مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} وقد بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم السبيل أنه الزاد والراحلة، فيلزم ألا يجب الحج على من كان بينه وبين البيت مسافة يسيرة، ويمكنه الذهاب إلى البيت ماشيا.
ولكنا نقول: إن الله سبحانه وتعالى لما قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وهو عامّ في القريب والبعيد، قد لا يتيسّر له الحج، قال: {مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} أي أنّ الوجوب على المستطيع، واقتصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في البيان على الزاد والراحلة إنما كان للرد على من يزعم أنه يجب الحج على الناس مطلقا، ولو كانوا في بلاد نائية، ويقدرون على المشي، بدليل أنه لم يذكر عدم المرض وأمن الطريق مثلا، مع أنهما شرطان من شروط الاستطاعة اتفاقا، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم اقتصر على بيان بعض الحالات، والحالات الأخرى تؤخذ من عمومات أخرى، كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقوله: {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
ومعلوم أنّ شرط الزاد والراحلة إنما هو لئلا يشقّ عليه، ويناله ما يضره من المشي، فإذا كان من أهل مكة، أو ما قاربها، ويمكنه الوصول إليه دون مشقة، فهذا مستطيع، ويجب عليه الحجّ.
وإذا كان لا يصل إليه إلا بمشقة فهذا الذي خفّف الله عنه، ولم يلزمه الفرض حتى يكون مستطيعا إليه سبيلا: زادا وراحلة.
ويرى بعض العلماء أنّ وجود المحرم للمرأة من شرائط وجوب الحجّ مستدلا بما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرم أو زوج».
وروي عن ابن عباس أنه قال: خطب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «لا تسافر امرأة إلّا ومعها ذو محرم».
فقال رجل: يا رسول الله إني قد اكتتبت في غزوة كذا، قد أرادت امرأتي أن تحجّ.
فقال عليه الصلاة والسلام: «احجج مع امرأتك».
وهذا يدل على أن المرأة إذا أرادت الحجّ ليس لها أن تحج إلا مع زوج، أي ذي رحم محرم، من وجوه:
أحدها: أن السائل فهم من قوله: لا تسافر... إلخ ذلك، ولذلك سأله عن امرأته التي تريد الحج ماذا يفعل، وقد اكتتب في الغزو؟ ولم ينكر النبي عليه ذلك.
وثانيها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «حج مع امرأتك».
وفي ذلك دلالة على أنه حين قال: «لا تسافر امرأة...» إلخ أراد ما يعم سفر الحج.
ثالثها: أنه أمره بترك الغزو وهو فرض للحج مع امرأته، ولو جاز لها الحج بغير محرم أو زوج لما أمره بترك الغزو.
وفي عدم سؤال النبي صلّى الله عليه وسلّم للرجل عن حج امرأته أفرض هو أم تطوّع دليل على أنه لا فرق بين أن يكون الحج فرضا أو تطوعا.
وقد ورد في السنة ما يؤخذ منه باقي شروط الاستطاعة، كاستمساك من يجد الراحلة عليها.
هذا وقد اختلف في حج الفقير البعيد عن البيت الذي لا يجد الزاد والراحلة. إذا أمكنه المشي، فقال الشافعية والحنفية: لا حج عليه، وإن حج أجزأه ذلك عن حجة الإسلام.
وحكي عن مالك أن عليه الحج إذا أمكنه المشي، وروي عن ابن الزبير والحسن أن الاستطاعة ما تبلّغه كائنا ما كان.
وأنت ترى أن الآية بظاهرها، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الاستطاعة الزاد والراحلة».
يدلان على أنّ لا حج عليه، غير أنه متى وصل إلى هناك في أشهر الحج، فكأنه صار من أهل مكة، فيكون حكمه كحكمهم، فإذا فعله أغناه ذلك عن الفرض.
وقد حكى الجصاص الخلاف بين الحنفية والشافعية في العبد إذا حجّ، هل يجزئه أم لا؟
قال الشافعية: يجزئه، واستدلّ الشافعيّ بقياس العبد على الفقير، فإذا قلتم: إن الفقير إذا حجّ فقد أجزأه ذلك، وهو لا يجب عليه، فكذا العبد وأيضا العبد لا تجب عليه الجمعة، وإذا فعلها أجزأته عن الظهر، فكذا إذا فعل الحجّ.
واستدل الحنفية بما روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ثمّ لم يحجّ فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا».
فعلم من ذلك أن شرط الحج ملك الزاد والراحلة، والعبد ليس أهلا للملك بحال، فلا يكون أهلا للخطاب بالحج بحال، فلم يجزئه حجّه، كما إذا حج الصبيّ، فإنه إذا بلغ مستكملا الشروط وجب عليه الحج.
وأجابوا عن القياس على الفقير بأن الفقير أهل لأن يملك، وقد يعرض الملك له في الطريق، فهو بهذه العرضية أهل في الجملة، فإذا وصل إلى مكة وهو لا يملك، فقد سقط هذا الشرط في حقه، لأنه صار من أهل مكة. وأما العبد فالمانع من خطابه رقّه، وهو إنما يفارقه بالعتق.
واستدلوا أيضا بما روي عن جابر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو أن صبيا حجّ عشر حجج، لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا».
هذا ملخّص كلام الجصّاص.
ولكنّ المعروف في مذهب الشافعي أنّ العبد إذا حجّ لم تجزئه حجته عن حجة الإسلام إذا عتق.
ولعلّ خلاف الشافعي فيمن أحرم بالحج، ثم عتق وهو واقف بعرفة، أو قبل الوقوف بها فإن حجه يجزئه عن حجة الإسلام، خلافا لأبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما. أما إذا كان العتق بعد فوات الحج، فإنه لا يجزئه، قال النووي من الشافعية: وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال العلماء كافة.
ثم إنّ الحج لا يجب إلا مرة واحدة، لأنّه ليس في الآية ما يوجب التكرار، وقد روي عن ابن عباس أنّ الأقرع بن حابس سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله الحجّ في كل سنة أو مرة واحدة فقال: «بل مرّة، فمن زاد فتطوع».
{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ} قيل: إنّ هذا الكلام مستقلّ بنفسه، وهو وعيد عام لكلّ من كفر بالله، ولا تعلّق له بما قبله.
وقيل: إنه متعلّق بما قبله، ومن القائلين بهذا من حمله على تارك الحجّ، ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوبه.
فأما الذين حملوه على تارك الحج فقد عوّلوا على ظاهر الآية، حيث أوجب الله الحجّ، ثم أتبعه بقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ} ففهم منه أنّ هذا الكفر هو ترك ما تقدم، واستندوا إلى ما ورد من قوله عليه الصلاة والسّلام: «من استطاع ومات ولم يحجّ فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا».
وعن سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة، ولم يحجّ لم أصلّ عليه.
وتأويل هذه الأخبار عند الجمهور أنّ الغرض منها التنفير من ترك الحجّ، والتغليظ على المستطيعين، حتى يؤدّوا الفريضة، فهو نظير قوله عليه الصلاة والسلام: «من أتى امرأة حائضا في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد».
واستدلّ الأكثرون لمذهبهم بما روي عن الضحاك في سبب النزول قال: لما نزلت آية الحجّ، جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين وقال: «إنّ الله كتب عليكم الحجّ فحجوا البيت».
فلم يقبله إلّا المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نستقبله فأنزل قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ}.
قال الفخر الرازي: هذا القول هو الأقوى.
{قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بازدياد قوة الإسلام ونصرة أهله حتى يهلكوا به {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ} أي بما خفي فيها.
وهو يحتمل أن يكون من تتمة المقول لهم. أي قل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى من عض الأنامل إذا خلوتم، فيجازي به.
ويحتمل أن يكون خارجا عن المقول لهم: أي قل لهم ما تقدم، ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بما خفي في ضمائرهم.
{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها} المسّ هنا والإصابة بمعنى واحد والمراد بالحسنة هنا النفع الدنيوي: كالصحة، والخصب، والألفة، واجتماع الكلمة، والظفر بالأعداء. والمراد بالسيئة: المحنة كإصابة العدو من المسلمين واختلاف الكلمة فيما بينهم.
{وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، وفسره ابن عباس هنا بالعداوة.
والمعنى: أن من صبر على الطاعة واتّقى ما نهى الله عنه كان في حفظ الله، فلا يضره كيد الكائدين، ولا حيل المحتالين، وتحقيق ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق للعبادة كما قال: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56] فمن وفّى بعهده العبودية في ذلك فالله أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه من كل مكروه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].
{إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} إطلاق لفظ محيط على الله تعالى مجاز، لأن الإحاطة بالشيء من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء، قادرا على كل الممكنات جاز في مجاز اللغة أنّه محيط بها.
والمراد أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى، وسيجازيهم عليها.